حيدر حب الله

43

مسألة المنهج في الفكر الديني

يحدّ من حجم التفاعل ويخفض من سقف الإنتاج ومستوى الناتج ويحوّل المعرفة إلى ظاهرة ليس فقط نخبوية بل ونخبوية محصورة جداً . وهذا لا يعني تساوي القيمة العلمية لكل النتاجات ، ولا الحدّ من المستوى المعرفي للجهد التخصّصي أو الرسمي ، بل يعني أن لا تشعر بعض النخب بأنه لا قيمة إطلاقاً لمعارف ونتاجات النخب والجماعات الأخرى . إن هذا هو ما يعيد إنتاج الحوار ؛ لأن المحاورة حينئذٍ سوف تقوم على مبدأ الاعتراف بالآخر - سيما اعتماداً على ما قدمناه في المبنى الأول آنفاً - مهما كان الفارق العلمي بين المتحاورين ، خصوصاً مع الأخذ بعين الاعتبار المفهوم الشامل للحوار الذي صدّرنا به هذا البحث ، وسوف يدعم هذا التصوّر المعرفي مبدأ حقّ النقد دون النظر إلى الشخص أو الجهة الناقدة ، وسيعزز أيضاً مبدأ المشاركة في إنتاج المعرفة ، وسيصبح الجميع منتجاً لمستقبل الجميع على حدّ تعبير غارودي في حوار الحضارات « 1 » ، وسيبدّد ثقافة الحكرة والإقصاء والإلغاء والحذف في أي عملية تحاور مما يسمى بالمباراة الصفرية . . لأن المتحاورين في ظروف انطلاقهما من منظارهما الخاص صارا يملكان تصوّراً فوقياً يقضي بأن نفس الحوار هو وسيلة الإنتاج ، ربح هذا أو ذاك ، لا تعريفاً له أو استهلاكاً فحسب . 4 - الهادفية المعرفية للحوار يبنى الجدل وفق تصوّرات المنطق الكلاسيكي على القضايا المسلّمة والمشهورة « 2 » ، ويهدف هذا الجدل إلى تبكيت الخصم وإبطال حججه ومدعياته ،

--> ( 1 ) غارودي ، حوار الحضارات : 10 . ( 2 ) راجع : المظفر ، المنطق : 279 ؛ ويراجع أيضاً : منطق الشفاء لأبي علي ابن سينا ، ج 3 ، قسم الجدل حيث يصرّح ص 24 بأن الغرض الأول من الجدال هو الإلزام ، كما يصرح ص 34 بأن مقدمات الجدل متسلّمة ومشهورة ، مشيراً إلى أنه كثيراً ما يشتهر ما هو كذب ، ومن ثم لا يقبل بأن صناعة الجدل تنتج الحقّ في أكثر الأمر ، أو أن مقدماتها أكثرية الصدق .